ملهمة_توريت_18_8_1955م

إنتفاضة توريت و النواة الأول للثورة الشعبية الجنوبية..!!
توريت يا مصنع الرجال ..
فيك الملهم العظيم الذي يعتزا به الأجيال ..
فالإنتفاضة التي تمت على أرضك لم تكن في وحي الخيال ..
و إينما خاضته أجداد الأشبال .. 

توريت يا معقل الثوار الأحرار ..
و يا منجب الأبطال الأخيار ..
ففيك لم نرى وقتها سوى البشار .. 

الذي حمله وقتها أبناء الجنوب الأكارم ..
بعد عزيمتهم و انتصارهم على المظالم ..
و دحرهم للمجاهدين المصارم .. 
في مثل هذا اليوم موافق 18/8/ 1955 انتفضت فرقة إستوائية جنوبية، في منطقة "توريت" بالشرق الإستوائية جنوب السودان. و قوام الفرقة المنتفضة كان 1747 فردا، بقيادة ملازم الأول " ليناردو لوكيا". و كان السبب يرجع لتوجيهات القيادة العلياء لجيش في العاصمة الخرطوم، بنقل الفرقة الإستوائية التي كانت تتكون من أبناء جنوب السودان إلى شمال السودان كمركز جديدا لهم. 

و إن هذا القرار لم يرحب به قادات الفرقة الإستوائية، ولا حتى رحب به أفراد الفرقة الذين كانوا جميعا سودانيين جنوبيين، مما صعب الامور وقاد إلى تدهور الوضع الأمني في المنطقة. و يؤمن قادات الفرقة وقتها بأن هنالك خططا من الحكومة المركزية بتصفيتهم و تخلص منهم إن سمعوا و أنصتوا على تلك التوجيهات التي أعطت لهم و أعطتهم بضعة أيام لمغادرة المنطقة و اخلاءها لبعض الفرق العسكرية التي كانت تتكون جميعها من شمال السودان. 

و إن تلك التدهورات و تغلبات الأمنية في المنطقة لم تصمت لوقت طويل في الهدوء و إن معاملة السئ للضباط الشماليين مع الجنود الجنوبيين سهلت الوضع و مهددت الطريق لتفاقم الوضع و الانفلاتات الأمنية في المنطقة. مما جعلت الفرقة الإستوائية الجنوبية تنتفض ضد ضباطها الشماليين، الذين أساءوا التصرف و المعاملة مع افرادها بطريقة ظهرت كالإستفزازا لهم و تحقيرا من ضباط الشماليين لهم. 
و أصبح ملازم الأول ليناردو لوكيا، قائدا للفرقة الإستوائية الجنوبية و زعيما للانتفاضة التي أعلنتها لاحقا الحكومة المركزية كتمردا من السودانيين الجنوبيين في منطقة توريت بالشرق الإستوائية. و أرسلت الحكومة التعزيزات العسكرية لاحقا لتحارب ما سمته بتمردا، و إن إخماد نيرانه قبل تفاقمه أمرا يجب حسمه قبل فوات الأوان.

و لكن لم ينجح تلك المحاولة ولا حتى أفلحت في شيء، لأن أفراد الفرقة الجنوبية كانوا يستخدموا معهم ما يعرف ب"حرب العصابات". الذي يعتمد فيه المحارب لمبدأ المفاجئ ضد العدو و خوض الحرب معه بعدد قليل من الجنود. مما جعلهم يستطيعون خوض الحرب ضد القوات الحكومية لبضعة أشهرا في الأدغال الإستوائية. 

و عندما أستمرت الحالة و زادت خطورة في الإقليم الجنوبي الإستوائي، لجاءت الحكومة المركزية إلى الحكومة البريطانية لإيجاد حلا لهذا النزاع الجديد. و فوضت الحكومة البريطانية الحاكم للسودان السيد "هلم نوكس" للتوسط بين الحكومة و الفرقة الإستوائية بقيادة القائد ليناردو لوكيا و بعض الساسة الجنوبيين، الذين كانوا موجودين في العاصمة الاتحادية الخرطوم. 

و نجحت الوساطة البريطانية في إجاد حلا سلمي بين الحكومة و جماعات الفرقة، و اتفقا بوقف إطلاق النار بين المجموعتين. و منحت هذه الوساطة للأفراد الفرقة الجنوبية بالعودة الي الخرطوم و الخدمة في الأماكن الأخرى في البلاد. 

و إستوعبت الحكومة بعض الأفراد في الفرقة الجنوبية، و على رأس هولاء القائد ليناردو لوكيا. و ذهبوا به إلى العاصمة الخرطوم بغرض تنفيذ بعض البنود التي اتفقت عنه في الوساطة. و لكن لم يفلح ذهابه إلى الخرطوم في شيء ولا حتى قامت الحكومة بتنفيذ ما أتت في الوساطة كما اتفقت عليها، و عندما لاحظ ملازم الأول ليناردو تلك التباطؤ حاول أن يخرج من الخرطوم. على أن تلك المحاولة لم تنجح معه و ألقت الحكومة القبض عليه و سجنه و من ثم قتله بدماء باردا. 
و فور سماع اقتياله من رفاقه من قبل الحكومة المركزية، عاد جل القوات إلى الأدغال الجنوبية مجددا لتحارب القوات الحكومية في المنطقة. و أستمرت الحرب تدار بين الحكومة و قوات الفرقة في المنطقة و تطورت القضية و انتشرت في أنحاء الجنوب. مما جعل الكثير من الجنوبيين ينضمون إلى اخوتهم المنتفضون و يحاربون معا العدو الذي كان يحاول أن يحتل موطنهم الأصل.

و عندما أجتمع الجنوبييون و أتوا تحت مظلة واحدة قاموا بعادة تشكيل الحركة و تأسيس حركة متمردة جديدة تحت اسم "أنيانيا وان" في عام 1963م. 

تلك كانت هي بدايات التحرير و الكفاح الوطني الجنوبي، و ولادة الوعي القومي للشعب السوداني الجنوبي. وإن رموز الثورة الأولية في مقدمهم القائد ليناردو لوكيا مطلق الشرارة الأول في مدينة توريت، و من ثم يليه بعض الساسة و القادات العسكر الجنوبية أقري جادين، السلطان فيلمون مجوك، الزعيم جون بؤث ديو، سترلينو لاهورو، كلمنت مبورو و القائد فؤل ويلؤوث، و غوردن مورتات، الجنرال جوزيف لاغو..الخ و القائمة طويلة. 


تعليقات

المشاركات الشائعة